الفوضى في الحياة: لماذا يحتاج عقلك إلى القليل من المفاجآت؟
أرضية الغرفة المغبرة بحاجة إلى المكنسة لتصبح الغرفة جميلة. وهكذا الفوضى في الحياة. انها مقبولة طالما ان المكنسة في يدك.

نحن نربّي أطفالنا على ترتيب الغرفة، ونرتّب جداول أعمالنا بدقة، ونعتبر الفوضى عدوًا للإنتاجية والنجاح. لكن مفارقة العلم الجميلة تقول: الجمود المطلق هو القاتل الصامت للإبداع، وقليل من الفوضى المُنتقاة مطلوب حتى نبقى أصحاء نفسيًا وعملياً. لا وجود للركود في الطبيعة فالغابة مثلاً، بحاجة الى الحرائق الصغيرة لتحافظ على صحتها وتنوعها وجمالها.
كيف يعمل دماغك؟
لا أقول الكلام جزافاً وحتى تقتنعي بهذه الفكرة دعينا نتفحص دماغك. فلهذه الفكرة جذور عميقة في علم الأعصاب وعلم النفس ونظرية التطور. قليل من الفوضى يستحضر عنصر المفاجأة إلى يومك. فعندما تجدين نفسك في مواقف غير متوقعة أو مخططة كسماع رأي مخالف، أو تغيير في الطريق، يهب نظامك العصبي الى افراز مادة نورأدرينالين، وهي هورمون مختلف عن هورمون التوتر (الكورتيزول). هذه المادة تعمل مثل الكشاف الضوئي لتوسع مدى انتباهك وتشحذ تركيزك. انها تُفعل شبكات حل المشكلات في دماغك.
هذه الحالة تُضعف نشاط الشبكة الافتراضية المسؤولة عن التكرار والاجترار، وتُعزز قدرة الدماغ على إعادة تشكيل نفسه أو ما يسمى بالمرونة العصبية neural plasticity. هكذا يبدأ دماغك في تغيير طريقة عمله فيترك ما تعود عليه وكرره مراراً وينتقل الى حاله يفتش بها عن الحلول المطلوبة للخروج من الموقف المفاجىء. تماماّ كما يفعل الصياد عندما يستخدم المنظار للتفتيش عن الهدف. وفي هذه الحالة يبدأ الإبتكار والإبداع بالظهور. هذابالإضافة الى ان هذه الحالة تمرنك على المحافظة على هدوئك تحت الضغط وتزيد من قدرتك على التكيف.
ولكن كما هو الحال في كل شيء في الحياة، تخضع الفوضى لمنحنى يشبه الجرس: الأداء والإنجاز يبلغ الذروة عند مستويات متوسطة من الإثارة التي تصاحب الفوضى. القليل جدًا (أقل من ٥٪ في أحداث يومك) يؤدي إلى الملل وما يشبه العمى في تفكيرك نتيجة الإعتياد على طريقة معينة. بينما مقدار أكبر بعض الشيء ويقارب حوالي ١٥-٢٠٪ من يومك يولد التدفق الإبداعي والشعور بالحيوية. أما إذا تجاوزت الفوضى ٤٠٪ تتحول إلى فوضى سامة تغلق الجزء الأمامي من الدماغ وتعيدك إلى حالة تتحكم بها غرائز البقاء كالخوف أو الهجوم.
كيف نُدخل الفوضى الصحية الى حياتنا اليومية؟
ان الفرق الجوهري بين حالة الفوضى الصحية وتلك السامة هو قدرتك على السيطرة، فالفوضى التي تختارينها بنفسك تُقرأ في الدماغ كأنها لَعِبٍ وتحدٍ ممتع، بينما الفوضى المفروضة عليك (كفقدان الوظيفة أو المرض) تُقرأ كتهديد. وللخروج من هذا الوضع الصعب عليك العودة الى روتين صارم مؤقت.
إذاّ المطلوب هو إدخال الفوضى في جرعات صغيرة: مثلاً اتركي هاتفك قبل ان تذهبي للمشي لمدة ٢٠ دقيقة، أو اكتبي بريدًا إلكترونيًا جريئًا ثم احذفيه دون إرسال، أو اطرحي سؤالاً غير مقبول على الغداء. اذهبي للدراسة في المقهى بدل غرفتك الهادئة فالضجيج الخفيف يحفز القدرة على فهم الأفكار والنظريات التجريدية غير المحسوسة. تناولي وجبة طعام مع ناس لا تعرفيهم فعندما تسير المحادثة بأسلوب غير متوقع تنمو موهبة القدرة على فهم العواطف والمشاعر والتحكم بها بالإضافة الى القدرة عل التعاطف مع الآخرين. حتى التغييرات الجسدية كإنهاء الدش بماء بارد مع تغيير توقيته تدرب جهازك العصبي على تقبل المفاجآت.
والخلاصة ان الفوضى المضبوطة ليست فوضى، بل هي تمرين يومي على المرونة. وكما تحتاج الغابات إلى حرائق صغيرة لتتجدد، تحتاج أذهاننا إلى هزات خفيفة لتبقى يقظة. الشطارة ليست بتجنب المطر بل بتعلم الدبكة تحت المطر، مع قدم ثابتة على الأرض الصلبة وأعني هنا وجود نظام روتين في متناول اليد يمكن العودة اليه عند الحاجة كي يمنح الأمان بينما يسمح باكتشاف متعة عدم الإنتظام او بعض الفوضى.
اكتشاف المزيد من مشوارِك مع صحتِك
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

